أحمد بن علي القلقشندي

470

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

فلينظر في الدّقيق والجليل ، والكثير والقليل ، وما يحصر بالمقادير وما لا يحصر ، وما يؤمر فيه بمعروف أو ينهى عن منكر ، وما يشترى ويباع ، وما يقرّب بتحريره إلى الجنّة ويبعد عن النار ولو لم يكن قد بقي بينه وبينها إلا قدر باع أو ذراع ، وكلّ ما يعمل من المعايش في نهار أو ليل ، وما لا يعرف قدره إلا إذا نطق لسان الميزان أو تكلَّم فم الكيل ؛ وليعمل لديه معدّلا لكلّ عمل ، وعيارا إذا عرضت عليه المعايير يعرف من جار ومن عدل ، وليتفقّد أكثر هذه الأسباب ، ويحذّر من الغشّ : فإنّ الدّاء أكثره من الطعام والشّراب ؛ وليتعرّف الأسعار ، ويستعلم الأخبار من كلّ سوق من غير إعلام لأهله ولا إشعار ؛ وليقم عليهم من الأمناء من ينوب عنه في النّظر ، ويطمئنّ به إن غاب أو حضر ، ودار النّقود والضرب الَّتي منها تنبثّ ، وقد يكون فيها من الزّيف ما لا يظهر إلا بعد طول اللَّبث ، فليتصدّ لمهمّها بصدره الَّذي لا يحرج ، وليعرض منها على المحكّ [ من رأيه ( 1 ) ما لا يجوز عليه بهرج ، وما يعلق من الذهب المكسور ويروبص من الفضة ويخرج ، وليقم الضّمّان على العطَّارين والطَّرقيّة في بيع غرائب العقاقير إلَّا ممن لا يستراب فيه وهو معروف ، وبخطَّ طبيب ماهر لمريض معيّن في دواء موصوف ؛ والطَّرقيّة وأهل النّجامة وسائر الطوائف المنسوبة إلى ساسان ، ومن يأخذ أموال الرّجال بالحيلة ويأكلهم باللَّسان ، وكلّ إنسان سوء من هذا القبيل هو في الحقيقة شيطان لا إنسان ، فامنعهم كلّ المنع ، واصدعهم مثل الزّجاج حتّى لا ينجبر لهم صدع ، وصبّ عليهم النّكال وإلَّا فما تجدي في تأديبهم ذات التّأديب والصّفع ، ومن وجدته قد غشّ مسلما ، أو أكل بباطل درهما ، أو أخبر مشتريا بزائد ، أو خرج عن معهود العوائد ، أشهره بالبلد ، وأركب تلك الآلة قفاه حتّى يضعف منه الجلد ؛ وغير هؤلاء [ من فقهاء المكاتب ، وعالمات النساء وغيرهما من الأنواع ] ( 2 ) ممن يخاف من ذئبه العائث في سرب الظباء والجآذر ،

--> ( 1 ) الزيادة من الطبعة الأميرية . ( 2 ) الزيادة من الطبعة الأميرية عن « التعريف » ص 126 . وفقهاء المكاتب هم الذين يعلمون الأولاد الصغار . وعالمات النساء معروفات إلى الآن ، وهنّ اللواتي يدرن بيوت اللهو والمجون .